محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وكلام العرب المعروف : ردفه أمر ، وأردفه ، كما يقال : تبعه وأتبعه ، فقال بعض نحويي البصرة : أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال : لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ و لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ وقال بعض نحويي الكوفة : أدخل اللام في ذلك للمعنى ، لأن معناه : دنا لهم ، كما قال الشاعر : فقلت لها الحاجات يطرحن بالفتى فأدخل الباء في يطرحن ، وإنما يقال طرحته ، لأن معنى الطرح : الرمي ، فأدخل الباء للمعنى ، إذ كان معنى ذلك يرمين بالفتى ، وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب ، وقد مضى البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : تَسْتَعْجِلُونَ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ قال : من العذاب . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ يقول تعالى ذكره : وَإِنَّ رَبَّكَ يا محمد لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ بتركه معاجلتهم بالعقوبة على معصيتهم إياه ، وكفرهم به ، وذو إحسان إليهم في ذلك وفي غيره من نعمه عندهم وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ على ذلك من إحسانه وفضله عليهم ، فيخلصوا له العبادة ، ولكنهم يشركون معه في العبادة ما يضرهم ولا ينفعهم ومن لا فضل له عندهم ولا إحسان . وقوله : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ يقول : وإن ربك ليعلم ضمائر صدور خلقه ، ومكنون أنفسهم ، وخفي أسرارهم ، وعلانية أمورهم الظاهرة ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، وهو محصيها عليهم حتى يجازي جميعهم بالإحسان إحسانا وبالإساءة جزاءها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ قال : السر . القول في تأويل قوله تعالى : وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ . . . أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره : وَما مِنْ مكتوم سر وخفي أمر يغيب عن أبصار الناظرين فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ وهو أم الكتاب الذي أثبت ربنا فيه كل ما هو كائن من لدن ابتدأ خلق خلقه إلى يوم القيامة . ويعني بقوله : مُبِينٍ أنه يبين لمن نظر إليه ، وقرأ ما فيه مما أثبت فيه ربنا جل ثناؤه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ يقول : ما من شيء في السماء والأرض سر ولا علانية إلا يعلمه . وقوله : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره : إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك يا محمد يقص على بني إسرائيل الحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها ، وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى ، فقالت اليهود فيه ما قالت ، وقالت النصارى فيه ما قالت ، وتبرأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء ، وهؤلاء من هؤلاء ، وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها ، فقال جل ثناؤه لهم : إن هذا القرآن يقص عليكم الحق فيما اختلفتم فيه فاتبعوه ، وأقروا لما فيه ، فإنه يقص عليكم بالحق ، ويهديكم إلى سبيل الرشاد . وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . . . الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يقول تعالى ذكره : إن هذا القرآن لهدى ، يقول : لبيان من الله ، بين به الحق فيما اختلف فيه خلقه من أمور دينهم . وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول : ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يقول : إن ربك يقضي بين المختلفين من بين إسرائيل بحكمه فيهم ، فينتقم من المبطل منهم ، ويجازي